mercredi 24 octobre 2012

حق الاضراب حق دستوري



 مقدمة :
إن تاريخ علاقات الشغل كان دائما مغلفا بعدة نزاعات ،سواء صغير ام كبيرة والتي غالبا ماكان يعبر عنها بشكل إضرابات ،تنتهي إلى تنظيم العمل لمدة من الزمن .
والحركة الاحتجاجية [1] التي يمارسها العمال في شكل إضراب ،إرتبطت بالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعاشة [2] . والتي تسعى إلى الوصول بها إلى مستوى أفضل .
وإن كان الاضراب ظاهرة اجتماعية تجسد وسيلة من وسائل احتجاج فئة من المجتمع [3] ، فإنه يصعب ضبط هذه الظاهرة ووضع معيار لتوقع حدوثها أو معرفة مداها ،الشيء الذي جعل المشرع المغربي يتأخر عن إصدار قانون تنظيمي لها منذ التنصيص عليها بأول دستور للمملكة إلى صدور مدونة الشغل الجديدة ،والذي إستقاه من القانون الفرنسي خاصة ( الدستور المؤرخ في 27 أكتوبر 1946) هذا الأخير اعتبر أول مرة الاضراب كحق فعطل بهذا الاعتراف أية مطالبة مدنية عن الاضرار التي يمكن أن تحدث نتيجة الإضراب .
وإن كان حق الاضراب يستمد شرعيته من القانون الاسمى (الدستور ) فإن ممارسته تصطدم بمخالفة إرادة طرفي العلاقة الشغلية ،وذلك بوقف التبعية بصفة مفاجئة مما تؤدي إلى نتائج سيئة (إنتكاس المؤسسة ،تدني القوة الشرائية لليد العاملة ،تفشي البطالة إغلاق المؤسسة ) وكل هذا له تأثير على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الشيء الذي أدى إلى المنادات بحل الخلافات الجماعية عن طريق الحوار والتحكيم .
والواقع ان الحكومات المغربية التي توالت على سدة الحكم مافتئت تحاول الإنتقاص من هذه الحرية وإعتبارها حرية فردية تمارس في شكل جماعي ،وليست حرية جماعية تمارس ضمن الحريات العامة مما أدى إلى مسائلة العديد من اعضاء النقابات بنصوص جنائية خاصة الفصل 288 من القانون الجنائي [4]
إلا أن موضوع ممارسة حق الاضراب يفرض البحث قبل كل شيء في اساس مشروعية هذه الممارسة ومدى تطابقها مع باقي القوانين المنظمة للخلافات الجماعية ،تم التطرق لممارسة هذا الحق مع الاشارة إلى أن الاجتهاد القضائي المغربي كان تدخله لتحليل هذه الظاهرة الاجتماعية المعقدة بمناسبة الفصل في النزاعات الفردية ،أو حل الاشكالات الإحتلال للمؤسسات من طرف العمل التي تم تفويتها في إطار مساطر صعوبات المقاولة أو تطبيق المقتضيات الزجري الفصل 288 من القانون الجنائي ،وهذا هو الجديد الذي أتت به مدونة الشغل الجديدة في إطار بسط مراقبة القضاء على الخلافات الجماعية التي ستغني العمل القضائي الذي عليه ان يكون في مستوى المسؤولية لخلق التوازن ) المواد 575و576 ومابعده)
وهكذا تتبين خطة البحث التي ليست إلا تحليل لواقع كما يتضح من عنوان الموضوع حل الخلافات الجماعية من خلال ممارسة حق الاضراب ،وسأتطرق لذلك من خلال محورين :
-       المحور الأول : مشروعية حق الاضراب
-       المحور الثاني : ممارسة الاضراب

أولا : مشروعية حق الاضراب
مقدمة :  
أولى المشرع المغربي للحريات العامة إهتماما كبيرا إبان الحصول على الاستقلال ،وذلك بإعتبار أن الطبقة العمالية كانت حركتها الاحتجاجية لها طابع سياسي أولا وقبل كل شيء وهو الحصول على الاستقلال ،وهكذا تم تنظيم النقابات المهنية بظهير 16يوليوز 1957 الذي نسخته المادة 398 من مدونة الشغل الجديدة ،ويبقى سريانه على نقابات الموظفين وكذا كافة الهيئات التي لايطبق عليها هذا القانون ( المادة 586 من مدونة الشغل الجديدة ) ومرسوم 5فبراير المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين [5] إلا انه إستثنى في فصله الخامس ماسماه ( كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة يمكن المعاقبة عنه علاوة على الضمانات التأديبية ويعم هذا جميع الموظفين ) مع ان العمل النقابي والاضراب هما وجهان لحق واحد ،وهناك ارتباط قوي بين الحقين على الاقل في المستوى الواقع .
وهكذا اعترف أول دستور للمملكة المغربية بكون ( حق الاضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والاجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق ) فالمشروعية تستمد من القانون الأسمى الذي هو تعبير عن إرادة الأمة ،والذي تتعهد فيه الدولة بالالتزام بمواثيق المنظمات الدولية وعلى تشبتها بحقوق الانسان كماهي متعارف عليها عالميا .
والسؤال المطروح بإلحاح هو هل تكريس حق الاضراب على ارض الواقع يؤكد احترام السلطات العامة لمبدأ المشروعية أي الملائمة والموافقة للقانون ؟[6]
الواقع ان الخناق الذي عرفته الفترة السابقة كان يجعل من التطرق لموضوع الاضراب على المستوى النظري من المسائل المحرمة ، وعلى الرغم من هذا الحظر فإن الاضرابات العمالية والطلابية التي عرفها المغرب سنة 1965،والتي كانت سببا في إعلان حالة الاستثناء ،والاضربات لسنة 1981 وما صاحبها من محاكمات وضياع للإقتصاد الوطني كل ذلك جعل المسؤوليين يتدخلون للإعتراف بالاضراب كحق دستوري [7].
لكن كيف يمكن ان نوازي بين ضمان حق الاضراب من طرف الحاكمين وبين عدم عرقلة حرية العمل بالنسبة للمحكومين ؟
لاشك أن تداخل هذين الحقين وعدم ايجاد حد فاصل بينهما يخلق لدى القضاء ورجال القانون خللا في المعادلة الحقوقية [8] اي إشكالية إحترام النص القانوني من جهة ،وتحقيق العادلة من جهة اخرى وهكذا ذهب المجلس الاعلى في قراره المنشور بمجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 52 ص201 (( إذا كان حق الاضراب حقا مشروعا بمقتضى القانون فإن الغاية منه هي الدفاع عن الحقوق المشروعة للعمال المضربين ...)).
فأمام غياب قانون تنظيمي يحدد مدى ممارسة حق الاضراب فهل هناك حماية فعالة لمشروعية حق الاضراب بالاستناد على النص الدستوري دون ضرورة وجود تشريع ينظم ممارسة هذا
 الحق ؟
وهل لعب القضاء المغربي دوره في تعريف الاضراب المشروع وتميزه على الاضراب الغير المشروع ؟
ثم ماهو التصور العملي للأطراف المقابلة ( السلطة ،ارباب العمل ، العمال غير المضربين )
لممارسة حق الاضراب كأمر واقع ؟
ثم مامدى دستورية بعض القوانين التي تقييد مباشرة او غير مباشرة لحرية ممارسة الاضراب ؟
فإذا كانت نظرة رب العمل وهو يدافع عن حق الملكية الذي يخول له ممارسة سلطته على العمال أن يتمسك ويدافع عن المشروعية في الحالتين ،فغنه بالمقابل تستغل النقابات مشروعية حق ممارسة الإضراب لتحقيق مطالب الشغيلة ،وهذا التضارب بين الموقفين في فهم وممارسة هذه المشروعية قد يؤدي إلى التضحية بأحد الجانبين لصالح الاخر ،وهنا هل نقول كما كتبه الدكتور عبد الكريم غالي (( فحماية حق دستوري في دولة الحق والقانون أولى من تجريم فعل يرمي في الأصل إلى الدفاع عنه )).
فالمشروعية :
هي الخاصية التي تحدد الفعل أو التصرف الموافق للقانون ،وتحدد أيضا مجموعة القوانين المطبقة في بلد معين في وقت معين ،لدى ينبغي تحليل مشروعية تصرف ما بالقانون في مفهومه الواسع ، فليس الأفراد وحدهم المعنيون بهذا التحليل بل يمتد مبدأ المشروعية إلى جميع سلط الدولة سواء السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية أو القضائية والتي يجب عليها الخضوع لمبدا سيادة القانون .
1.    والسلطة التشريعية : تتقيد في عملها بمبدأ المشروعية الذي يفرض إحترام الدستور والمبادئ العامة للقانون منها إحترام مبادئ الإعلان القانوني للحرية والمساواة الملازمين لمبدأ المشروعية ، والإلتزام بالمبدا الدستوري القاضي بعدم رجعية القوانين وعدم المساس بالحقوق المكتسبة ومن هذا كان مبدأ المشروعية هو اساس عدم المس بالحقوق المكتسبة إضافة إلى إلتزام السلطة التشريعية بتحري الدقة والوضوح في صياغة النصوص ،وأن عموم وغموض النصوص يؤدي إلى التعسف في التأويل واللامساواة عند التطبيق .
2.    أما السلطة التنفيذية : فإحترامها لمبدا المشروعية يقتضي منها أن تكون جميع أعمالها وقراراتها خاضعة للدستور والقانون ،وفي حالة عدم الاحترام أصبحت إمكانية الطعن في مشروعيتها متاحة أمام المحاكم الادارية المحدثة ، إلا أن كل ذلك يبقى رهين بإيمان السلطة التنفيذية بمبدأ فصل السلط .
3.    أما القضاء : فهو الذي ينزع من الدولة جزء من سيادتها ويجعلها خاضعة له وبالاحرى باقي السلط لكن إقرار مبدا المشروعية ،وغل يد القضاء على بسط مراقبته يفرغ المبدا من محتواه فكيف يمكن إقرار حق الاضراب الذي هو بالاساس خلاف جماعي ولايخضع لمراقبة القضاء إلا من حيث تطبيق الجزاء الفصل 288من القانون الجنائي وتبقى السلطة التنفيذية مهيمنة على التدخل في النزاع في جميع مراحله ،بل إن المراقبة القضائية التي أقرتها مدونة الشغل في المواد 575و576بقيت جد محدودة إذ ان مبدأ المشروعية يقتضي كذلك أن تكون اعمال القضاة خاضعة للمراقبة وذلك بممارسة طرق الطعن المقررة قانوناوخضوع القضاة للمسائلة المدنية والجنائية .
وهكذا فإن مبدأ المشروعية هو ان لاتضع الدولة نفسها فوق القواعد القانونية التي تفرضها على مواطنيها وتكون بذلك "دولة تحكمية " " وليست" دولة قانون" وهذا الامر جعل عدة باحثين يتخوفون على غياب مبدأ المشروعية أمام ما يسمى من قانون الطوارئ وحالات الإستثناء التي غالبا ما تأخذ طابعا سياسيا أو إقتصاديا مثل " الوضعية الخطيرة ،ووضعية الأزمة ، ووضعية الاستعجال ، بحيث يسمح للإدارة بالتحرر من إحترام القانون وبالمقابل سجل الفقه إلى كون المحكومين يتخدون موقف اللامبلات من مبدأ المشروعية ويعزفون على اللجوء إلى الطعن في القرارات الادارية بسبب الشطط في استعمال السلطة .
وقبل التطرق إلى المحور الثاني المتعلق بشروط ممارسة الاضراب لابد من التطرق بعجالة لتعريف هذا الحق المرتبط بالمشروعية .
حق الاضراب
إذا كان يسهل التعرف على الاضراب عند إندلاعه ،فإنه يصعب تعريفه هذا ماقاله Guy Caire  وهو بصدد إبراز صفة التعقيد التي تميز حق الاضراب [9] ، ليس كظاهرة قانونية فحسب بل كظاهرة إجتماعية تهتم بسيكولوجية الجماعات وكظاهرة اقتصادية ،ولعل أن أهم عنصر يبرز تعقيد هذه الظاهرة هو مظهر القوة الذي تتجادبه أطراف ذات مصالح متناقضة ( الدولة ،وارباب العمل ،العمال ) الشيء الذي جعل البعض يشبه "بالحرب" التي تنتهي بالحوار والسلم مما جعل البعض يطرح السؤال حول امكانية اخضاع هذه الظاهرة الى القانون مادام ان اغلب التشريعات سكتت عن تنظيم ممارسته.
لذا نجد فريقا من الفقه ركز إهتماماته على اعتبار هذا الحق " مقدسا غير قابل للتجاوز والخرق" كما قال Gilbert Orsni إذ انه يحقق للعمال الإمتيازات الإجتماعية الجديدة في مواجهة الدولة وأرباب العمل لذا فغن بعض الفقه في فرنسا اصبح يسير بإتجاه اعتبار حق الاضراب من الحريات العامة بل " الحرية الأم " بتعبير الأستاذة Helene Siny.
وهكذا يمكن القول بان الاضراب له اهميته بالنسبة :
أولا : للعمال
فهو مؤشر على مدى وعي الطبقة الشغيلة وإبرازها لقوة عملها كوسيلة فعالة في العملية الانتجاية وذات قيمة رفيعة إلى جانب دوره في تربية العمال على التضامن إذ يقبل بالتضحية باجرته لقاء مساندة عمال مؤسسة أخرى في الاضراب التضامني .
ثانيا :النقابات
للإضراب أثر قوي على الحركة النقابية التي تجعله أهم نشاطاتها إذ قد يجعل لها صيتا قويا في الاوساط العمالية ، وكذا لدى ارباب العمل والدولة التي تحسب لها أهمية بالغة عند ماتريد تعديل التشريع العمالي أو تريد المس بأحد الحقوق المكتسبة للشغيلة ،وبالعكس فالنقابات المضادة للإضراب ،فهي لاتقوم بالدور المنوط بها فتضعف ( وهنا نخرج ما يعرف " بإقتصاد الإضراب " أي توقف الإضراب خلال ظرفية اقتصادية وسياسية خاصة )[10].
ثالثا : تشريع العمل
ان للاضراب أثر ايجابي على تطوير وتنظيم علاقة الشغل إذ بفضله عرفت الطبقة الشغيلة كيف تحصل على بعض المكتسبات ،كما انه وسيلة لضغط على ارباب العمل لرفع الاجور ،وكذا على ابرام الاتفاقيات الجماعية التي تتضمن امتيازات جديدة للعمال ، وإن كانت النقابات المهنية في دول العالم الثالث اصبحت في وضع المدافع فقط على الحفاظ عن المكتسبات السابقة من الضياع .
وتطرح مسألة عدم تنظيم ممارسة حق الاضراب تفسيرات متضاربة في الفقه بين المؤيد للتنظيم وبين المعارض لذلك ،وان كان الدستور يحمي مشروعية الاضراب ،فإنه في الواقع يعرف هذا الحق تصدعا من جراء محاولة إفراغه من محتواه إما علة مستوى التشريع بمنعه على بعض الفئات او بفرض اللجوء إلى مساطر الصلح والتحكيم للحد من ممارسة الاضراب وهذا هو موضوع المحور الثاني حول شروط ممارسة الاضراب .
ثانيا : ممارسة الإضراب
مقدمة :
إن الاشكال الوحيد الذي تواجهه النقابات العمالية عند شن الإضراب هو دخولها (لحرب) تجهل نتائجها بسبب غياب نص تنظيمي يحدد شروط ممارسة هذا الحق [11] ويحد من تعسف أرباب العمل والادارة ،ويحدد مجال تدخلها كما يحدد للعمال المسائل التي تدخل في مجال الأخطاء الجسيمة التي ترتكب في الاضراب فكما قالت H Sinay" أن تنظيم الإضراب هو تربية للعمال " .
وهذا  التنظيم سيسهل لامحالة مهام القضاء ،ويحدد مسؤوليته في الاحكام ، بحيث لن يكون هناك مبرر لتضارب في الاحكام حسب الأحداث سواء عادية أو إستثنائية .
وان كان التشريع المغربي غائبا في تحديد مجال ممارسة الاضراب ،فإن الساحةالعمالية كرست بعض التقاليد قبل اللجوء الى الاضراب او بعده ولابد من الاشارة إلى مشروع قانون العمل المصري الذي اقره مجلس الشعب من حيث المبدأ ( في دور الانعقاد العادي 2001ـ2002)وذلك ليحل محل القانون 137لعام 1981والذي يكفل حق الاضراب لجميع العاملين بإستثناء المؤسسات الإستراتيجية ،كهرباء ،ووسائل النقل ، وشركات المياه وكل ما يتعلق بخدمات الجماهير ،أو ما يخص الأمن العام والتي يصدر قرار من رئيس الوزراء بشأنها ( هنا يمكن التساؤل حول سياسية الدولة الحديثة من التخلص من بعض القطاعات التي تشكل لها عبئا وتفويتها إلى الخواص في غطار مايعرف بالخوصصة أو الخصخصة ).
كما انه من المفيد الاشارة التي شهدتها الساحة العمالية ،ويتعلق الأمر بمشروعين قدمتهما الحكومة وصادق عليهما البرلمان بتاريخ 27يناير 1990 ويتعلقان بضبط " المصلحة الدنيا الاجبارية " في عدد من القطاعات كما يحددان عدد من المراحل يجب إتباعها قبل شن الاضراب .
وهكذا وخلال إستجلاء واقع الاضراب ،إستطاع الإجتهاد القضائي خاصة الفرنسي إبراز عناصر الإضراب المشروع لتمييزه عن الاضراب التعسفي وغير المشروع .
1.    واول عنصر هو التوقف الجماعي عن الشغل
وهو أن يتم الإتفاق مسبقا بين عمال المؤسسة على ان يتم التوقف التام عن العمل بشكل جماعي لابشكل فردي ومتقطع أو أن يتم أداء العمل بكيفية بطيئة على غير العادة أو مايسمى بالاضراب المبرقع أو البطئ ،والذي إعتبرته محكمة النقض الفرنسية هو تنفيذ غير سليم للشغل ومخل بالالتزام التعاقدي وخطاجسيم يبرر العقوبات التأذيبية التي يمكن ان تصل إلى الطرد .
في حين ان القضاء المغربي كان شجاعا حينما اعتبر في حكم صادر عن محكمة الاستئناف بمكناس بتاريخ 30مارس 1982 (........وحيث تمسكت الطاعنة منذ المرحلة الابتدائية أن قيام المستأنف عليه بالاضراب البطئ الذي أثر على الانتاج يشكل خطأ جسيما يبرر لها حق ممارسة فسخ عقد الشغل ،لكن حيث إن الفصل السادس من ظهير 23/10/1948بشأن النظام النموذجي ..حينما خول للمؤاجر فسخ عقد الشغل بدون سابق إعلام خوله هذا الحق بالنسبة لما اسماه الظهير في فصله السادس بالخطأ الشنيع ،وحينما مثل على الاخطاء الجسيمة أورد عدة أمثلة لم يذكر من بينها الاضراب ،بل إن الاضراب في نطاق الفصل 14من الدستور حق مشروع بل إن العمل القضائي لم يجعل منه خطأ جسيما يرتب الفسخ ولكن جعل منه حالة توقف عقد الشغل ومن تم لايوصف الاضراب ولاسيما الاضراب البطيء بالخطا الجسيم ولايرتب بالتالي فسخ العقد من جانب واحد ........))
وإن كان الحسم في مشروعية الاضراب المبرع غير ممكنة لعدم وجود إجتهادات متواترة في هذا الصدد.
وهنا لابد ان نشير ان القضاء الفرنسي لم يشترط في التوقف أن يدوم مدة طويلة أو قصيرة أو
متكررة .
إلا انه لايكفي أن يكون التوقف التام عن الشغل لتكتسب حركة عامل واحد صفة الاضراب بل يشترط القضاء أن يكون التوقف جماعيا ،إلا إذا كان إنضمام العامل إلى حركة إحتجاجية خارج مؤسسته فيبقى محميا بحق الاضراب في إطار مايعرف بالاضراب التضامني .
وهنا نتسائل عن تنظيم لفئة من العمال الذي يشتغلون لمؤسسة واحدة ،ولكن عن بعد ولاتربطهم مؤسسة جماعية يمكن ان توحد مطالبهم فهل توقف أحد العاملين او بطئه في إنجاز العمل احتجاجا على وضع معين يمكن اعتباره إضرابا مشروعا ؟
ثم ماهو التشريع العمالي الذي يتعين تطبيقه إذا كانت المؤسسة في بلد غير البلد الذي يؤدي فيه
 العمل ؟
الواقع ان هذا النوع من العمل فرضته ظروف التقدم العلمي وإنتشار الشركات المتعددة الجنسية وهو ما يسمى " بالاضرابات الدولية " والتي غالبا ما تأخذ طابع التضامن االذي يعبر عنه عمال الشركة التابعة ( filiales ) لفائدة عمال" الشركة الأم " وهو ماحدث لعمال مجموعة " akzo" في المانيا وبلجيكا وسويسرا للإحتجاج ضد تسريح 6000من عمال هذه الشركة في هولندا .
وهناك حالة أخرى عرضت على القضاء الفرنسي تتعلق بعامل فرنسي بأمريكا شارك في إضراب عفوي يعتبره القانون الامريكي غير مشروع في حين يعتبره القانون الفرنسي مشروعا ،وظل السؤال المطروح عن القانون الواجب التطبيق هل مكان الإضراب وهو القانون الأمريكي أم مكان عقد الشغل وهو القانون الفرنسي في هذه الحالة ؟
أما المقصود من كون التوقف الجماعي عن العمل متفق عليه أو مدبر يعني ان هناك إرادة حرة وجماعية للتوقف عن الشغل وتستثني من ذلك التوقفات الناتجة عن القوة القاهرة وهكذا إستبعدت محكمة النقض الفرنسية من قواعد الاضراب حالة توقف العمال نتيجة قرار المشغل بإغلاق المؤسسة أو بسبب عدم كفاية وسائل التدفئة بالمؤسسة .
2.وثاني عنصر هو تحقيق مطالب مهنية
يعني انه لخوض الاضرابيجب ان تكون هناك مطالب معينة الشيء الذي قررته محكمة النقض الفرنسية حين ذهبت إلى ان الاجتماع النقابي الاخباري لدراسة مشاكل الزيادة في الاجور او اعداد برنامج مطلبي ليس اضرابا نفس الاتجاه ذهب اليه القضاء المغربي في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 6يناير 1984 "....لكن حيث ان ما اسماه رب الشركة بإفساد جو العمل ماهو في الحقيقة إلا مطالب مادية ومهنية تقدم بها عمال الشركة وحاولوا تحقيقها في اطار نقابي وبوسيلة مشروعة ألا وهو الاضراب "
ولايكفي فقط وجود مطالب بل يشترط القضاء العلم المسبق بها من طرف رب المؤسسة عن طريق الاتصال الرسمي به .
ويشترط أخيرا ان تكون المطالب ذات صلة مهنية وإن كان القضاء الفرنسي يتوسع في ذلك ويعتبر أن الحركة المطلبية ذات المضمون السياسي لها صفة إضراب حقيقي .
وبخصوص الإضراب التضامني سواء داخل المؤسسة الواحدة أو الممتد إلى خارج المؤسسة فإن موقف القضاء الفرنسي بقي غامضا ،في حين ان القضاء المغربي كان واضحا واقر مشروعية الاضراب التضامني وخاصة ذلك الذي يشنإحتجاجا ضد طرداحد العمال مثال حكم محكمة الاستئناف بأكادير الصادر بتاريخ 02/12/1980والذي أيد الحكم الابتدائي القاضي للعمال المطرودين بتعويضات عن طردهم طردا تعسفيا نتيجة إضرابهم التضامني احتجاجا على طرد احد زملائهم في العمل ،هذا على الرغم من احتجاج ( الشركة السياحية للخطوط الملكية المغربية ) الطرف الاخر في الدعوى ان العمال قد شاركوا في اضراب غير مرتكز على سبب مشروع ....لأنه لايتعلق بمطالبات جماعية ..)
إلا انه يستنتج .............تتمة الجزء الثاني فيما قريب .




[1] الاحتجاج او الاعتراض هو إحدى صور الاختلاف ، والذي عرفه الدكتورطه جابر العلواني في كتابه أدب الاختلاف في الاسلام ((...الاختلاف والمخالفة أن ينهج شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله او قوله ،والخلاف أعم من " الضد" لأن كل ضدين مختلفين وليس كل مختلفين ضدين ،ولما كان الاختلافبين الناس في القول قد يفضي إلى التنازع ،استعير ذلك للمنازعة والمجادلة ،قال تعالى في ذكره الحكيم ((..فأختلف الاحزاب بينهم ..)) سورة مريم الآية 37 ((ولايزولون مختلفين.. )) سورة هود الآية 118((..إنكم لفي قول مختلف ...)) سورة الذاريات الآية 8 ((...إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ...))سورة يونس الآية 39 وعلى هذا يمكن القول أن الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول أو الراي أو الحالة أو الهيأة أو الموقف .
[2]  إن التطور الاقتصادي والاجتماعي المهم الذي عرفته بريطانيا دفع الحكومة إلى تعديل الفصول 146إلى 414 من القانون الجنائي بالقانون المؤرخ في 25ماي 1846إد عدل مبدأ منع التجمعات ، بجنحة جديدة وهي المس بحرية العمل بوسائل الضغط كالتأثير أو العنف ،فبدأت المطالبة بإصدار قوانين تنظم حق التحالف لليد العاملة ،مع ان هذا التعديل لم يستطع الحد من الاحتجاجات الجماعية ولو بشكل غير منظم في إطار جمعيات .
ففي فرنسا تجاوزت الجمهورية الثالثة هذا الاتجاه القديم ( المسائلة الجنائية ) وإعترفت بالحريات العامة ( حق التحالف ) ، إلا أنها أبقت على إمكانية المسائلة المدنية ( التعويض في حالة تعرض المؤسسة لأضرار ) وفي هذه الفترة بدأ الإضراب يبرز كوسيلة التحالف الجماعي يتفق على إثره العمال بالتوقف عن العمل (ترجمة عن مجلة ) Que sais-je(Histoire du Droit).
[3]  جاء في مؤلف الاستاذ الدكتور محمود ابوزيد ( علم الاجتماع القانوني الاسس والاتجاهات ) – دار غريب للطباعة – (( فالظاهرة التي يحكمها القانون وهي في جوهرها الارادة الانسانية مما لايمكن السيطرة عليها وإخضاعها بطريقة حاسمة ،ولعل أكبر شاهد على ذلك أن احكام القانون لاتحترم دائما ،وبلغ ذلك حدا دفع إلى القول بأن القانون يلزم ولكنه لايحترم ،وذلك لأن إرادة الانسان تعني بحسب طبيعتها القدرة على الإختيار أي القدرة على القبول او الرفض .

[4]  تقدمت الحكومة في فبراير 2004 بمشروع جديد لفرض مزيد من القيود على حق الإضراب ، وقد ظل التهديد بتقنين الاضراب يشتد ويفتر ،طيلة العقود الثلاثة الأخيرة ،حسب مدى إستعمال العمال لهذا السلاح ففي خريف 1981 أي على إثر أول إضراب عام بعد فترة جمود طويلة صرح الوزير المعطي بوعبيد في مقابلة (بمجلة جون افريك) أن الحكومة أعدت مشروع قانون تنظيمي للإضراب سيعرض على البرلمان ،وكانت تلك اول مرة يعبر فيها عن العزم على تفعيل الفقرة الثانية من الفصل 14 من الدستور التي تنص على إصدار قانون تنظيمي يبين شروط واجراءات ممارسة حق الاضراب كما كان ثمة مشروع لتقنين الإضراب سنة 1983 (حسب إيكونوميست 12فبراير 1999) ولما هز إضراب شغيلة السكك الحديدية الوحدوي سنة 1995حكومة الفيلالي ، فسارعت هذه الى وضع مشروع قانون للإضراب ،وفي فاتح مايو الثاني بعد تشكيل حكومة اليوسفي أعلن خالد عليوة ،وزير الشغل أنذاك أن لديه مشروعا متكاملا وجديدا لتقنين الاضراب سيعلن قريبا وبادرت نقابة ارباب العمل ،المدافعة فعلا عن مصالح أعضائها وطبقتها إلى اقتراح مشروع قانون لتنظيم الاضراب ،وفي اكتوبر 2001 وضعت الحكومة مشروعا كان أول صيغة معروضة على العموم عبر الصحافة (نشرته العلم ) ويتناول الاضراب بالقطاعين الخاص والعام ،والآن بات صدور هذا القانون وشيكا بعد إلحاح الملك عليه في خطاب العرش في يوليوز 2004 حيث دعا إلى ((إيجاد عقد اجتماعي جديد .....)) عن جريدة المناضل ـ ة عدد 1 الجمعة 1اكتوبر 2004 تم تدارس بتاريخ 27/04/2007 بمقر الوزارة الأولى مع الوزير الول إدريس جطو والنقابات الأربعة الممثلة للشغيلة بحضور وزير الشغل وتم .......
[5]  كان  القضاء الاداري المغربي جريئا إذ حاول هدم ما تستند عليه السلطات الحكومية في تبريرها ممارسة الاضراب ،بجعل القرارات السابقة عن الدستور الذي ضمن ممارسة هذا الحق في غياب النص التنظيمي بالرجوع إلى الفصل الخامس من المرسوم لسنة 1958 والتي تقول فيه الحكومة  بان المجلس الاعلى في سنة 1961 إعترف بشرعيته في القرار المعروف بقضية محمد الحيحي ضد وزير التربية الوطنية عندما اعتبر اجراءا تطبيقيا لأحكام ظهير 16يوليوز 1957 حول النقابات مؤكدا عدم وجود تناقض بين هذا المرسوم والظهير المتعلق بالوظيفة العمومية ) والقرار الجريئ الذي اتخذته المحكمة الادارية في مكناس والتي اعتبرت ان الجزاءات التأديبية التي تعرض لها المضربون موسومة بتجاوز السلطة وذلك في قضية محمد شيبان ضد وزير التربية الوطنية حكم عدد 63-2001-3 الصادر بتاريخ 12/07/2001 عن المحكمة الادارية بمكناس  وقد وضع  القضاء الاداري بعض الشروط لممارسة هذا الحق وحتى يعتبر مشروعا :
1-      إخبار السلطات المعنية بالاضراب المراد القيام به وتوقيته
2-      أن يستهدف الاضراب تحقيق مكاسب مهنية أو الدفاع عنها
3-      أن يتم على توجيه من نقابة ذات تمثيلية ومشكلة تشكيلا قانونيا
4-      أن يكون محدد في الزمان
يعني أن الاضراب المفاجئ والاضراب السياسي والاضراب المفتوح في الزمان والاضراب غير المعلن عنه من طرف نقابة قانونية وذات تمثيلية حقيقية كلها تعتبر أنواع غير مشروعة .

[6]  وجاء في اطروحة الاستاذ محمد الشرقاني لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص تحت عنوان (( مدى مشروعية الاضراب العمالي )) جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط السنة الجامعية 1990- 1991 الصفحة 2و 3 ((... يلاحظ أن مبدأ المشروعية بمعنى الملائمة والموافقة للقانون إذا كان قد إحتل مكانه في الفكر الانساني منذ ان بدات المجتمعات في التنظيم ليأخذ بإهتمام الفلاسفة والقانونيين إبتداء من القرن 18 فغن جادبيته كموضوع للبحث والتحليل لم تبرز في نظرنا بشكل واضح ولم تستقطب الاهتمام الخاص للباحثين القانونيين بالمغرب إلا بعد الصرخة التي اطلقها في سنة 1976Jean Deprez  في مقاله الشهير حول معرفة الظاهرة القانونية في الواقع المغربي )).
[7]  مثال (اضرابات عمال المناجم ببريطانيا سنة 1987 حيث هددت رئيسة الحكومة (تاتشر) بإستعمال سلطاتها الاستثنائية ،واضراب نونبر 1987 في فرنسا حين قام العاملون في الملاحة الجوية بالتوقف عن العمل للمطالبة بأن يتم الطيران بثلاثة عاملين عوض إثنين فقط ،والذي صرحت محكمة Bobigny  بعدم مشروعية وهو الاضراب الذي إضطر معه الرئيس F.Mitterand   للتصريح بأن تنظيم ممارسة حق الإضراب يجب أن ترافق وتواكب المبدا الدستوري لحق الاضراب وألا تناقضه ،ونفس الاضراب شنه الربابنة المغاربة سنة 2003 الذي دام مدة طويلة تكبدت معه الخطوط الملكية خسائر مالية جسيمة وانشات لجنة تحقيق برلمانية للبحث في القضية .

[8]  ذهب روسكو في تعريفه للقانون أنه (( علم الهندسة الاجتماعية الذي يتحقق من خلاله تنظيم العلاقات الانسانية في المجتمع المنظم سياسيا ،او انه كما يعبر عنه أحياما أخرى " الضبط الاجتماعي " عن طريق الاستخدام المطرد لقوة المجتمع المنظم سياسيا )) علم الاجتماعي القانوني الاسس والاتجاهات لمؤلفه الدكتور محمود ابوزيد دار غريب للطباعة .
[9]  ذكره الاستاذ محمد شرقاني  في المرجع السابق .
[10]  وأورد مثال عن الازمة النقابية التي حصلت في بداية الاستقلال عند تدشين التعددية النقابية في عهد حكومة عبد الله ابراهيم سنة 1960.
[11]  قدم مشروع قانون تنظيم ممارسة حق الاضراب ،يحتوي على خمسة ابواب تتضمن 30مادة وأن مواد الباب الخامس المتعلقة بالمقتضيات الزجرية بقيت للتدارس مع الاطراف المعنية ( نص المشروع نشرته جريدة رسالة الأمة بعددها 6946ليوم الثلاثاء 24ماي 2005.

dimanche 14 octobre 2012

إبطال محكمة النقض الفرنسية للنعيين المتكرر للمحكمين


حاولت  المسطرة المدنية ان تنظم آلية الرقابة لعمل الخبراء والمحكمين ،شأنهم شأن القضاة ،بان أعطت للأطراف صلاحية الطعن بالتجريح (  الفصول 59و60و61و62من ق.م.م.والفصول 308و310و313مابعده من ق.م.م.،إلا انها حددت حالات التجريح بصفة موضوعية ومجسدة مثلا وجود علاقة القرابة بين الخبير وبين أحد اطراف النزاع ، لكن لم تحدد حالات التعيين المتكرر لنفس الخبير أو المحكم في نفس القضايا التي يكون فيها نفس الطرف متنازعا ،فعقود التحكيم التي يتفق عليها الأطراف مسبقا قبل حصول النزاع ،يتفقون فيها على إحالة النزاع على محكمين يختارونه ، وهنا تثور مسألة حياد واستقلالية المحكم عن الأطراف[1] .
اصدرت محكمة النقض الفرنسية تنبيها إلى المحكمين ليحتاطوا من التجاوزات ،المثمتلة في كثرة تعين بعضهم من لدن نفس الطرف في عدة عقود للتحكيم ،مما يثير الشك في استقلاليتهم ونزهاتهم ،وذلك في قرارين الأول بتاريخ 20أكتوبر 2010تحت رقم 131ـ68ـ09والثاني رقم 997ـ68ـ09: جوريس داتا (JurisData) رقم 018962ـ2010 ورقم 018981ـ2010.
فالمحكمة العليا نقضت قرارات محكمتي الاستئناف (بفرساي و دووي) واللتين لم تعتبرا  نشوء شبه صفقة بين المحكمين والشركات التي تعيينهم في عقود التحكيم بشكل متكرر وممنهج .
إذ ان مايلزم القضاة الرسمين من واجب الاستقلالية والحياد ،فإن المحكمين هم الآخرون معنيون بذلك ،حتى يتسنى للأطراف اللجوء وتشكيل محكمة التحكيم ،وهم على معرفة تامة بكل الاسباب ،وهذا الواجب المفروض يجب ان يرفق بواجب الاقرار بوجود حالة تجريح ،فالمحكمين هم ملزمون بالاقرار للأطراف بكل الظروف الطبيعة التي يمكن ان تؤثر على أحكامهم والتي قد تخلق في ذهن الأطراف شكوك قوية حول طبيعة  إستقلاليتهم وحيادهم ،وهذا الواجب في الاعلان عن حالات التجريج ،يوجه الاطراف لممارسة حقهم في رد المحكم، بالنظر الى ثبوت الوضعية المنتقدة وتأثيرها على حكم
 المحكم .
ففي القضايا المذكورة ،فالمحكمين المعنيين بالأمر تم تعينهم بصفة متكررة مابين 34 و51 مرة من نفس المستثمر والصانع ،وهي تطبيقات جارية في هذه القطاعات الاقتصادية ،والتي سبق للمحاكم أن عاقبت عليها استنادا لعنصر التكرار في التعيين سواء اكتشف قبل او بعد صدور قرار التحكيم ،وهذه الجزاءات يمكن ان تؤدي الى رد المحكم أو إلغاء قراره التحكيمي إستنادا الى ان هذه الظروف لم تكن معروفة لدى الاطراف ولم يكن بإمكانهم التنبؤ بها .
فمحكمة النقض الفرنسية تعتبر بأن طبيعة الثواتر للتعيينات لنفس المحكم من طرف الشركات التابعة لمجموعة واحدة ،وامتداد وتكرار هذه التعيينات لمدة طويلة ،وتعيينات لنفس الشخص في عقود التحكيم مماثلة ،ابرزت شروط وجود صفقات جارية بين المحكمين والشركات الطرف في المسطرة .









[1] قرار المجلس الأعلى رقم16بتاريخ 05/01/2000الملف التجاري عدد3538/94 المجلة
56/ 2000

mercredi 3 octobre 2012


أيها الشعب العظيم.. القاضي يريد

عمر الشيكر

أيها الشعب العظيم.. القاضي يريد
أيها الشعب العظيم.. القاضي يريد
أيها الأحرار الشرفاء ..أيها الشعب المغربي الأبي…نحن مجموعة من القضاة ونشكل غالبية إن كنتم لا تعلمون..نعيش على الكفاف منذ سنين ..ونحارب ليل نهار من أجل تطبيق القانون وإرجاع الحقوق الى أصحابها ..
نحارب يمينا وشمالا وأفقيا وعموديا بما أمدنا الله من قوة وفراسة ..
نحارب ومن حولنا الأفاعي والعقارب والقوارض غير المرئية ..
نحارب سرا وعلانية السماسرة واللصوص.. منهم البسطاء ومنهم الأباطرة أصحاب ربطات العنق “الأنيقة” الذين يقتلونك أيها الشعب بابتسامة باردة دون أن يتركوا “بصمات” على جريمتهم البشعة..
نحارب وحدنا في صمت.. نحارب بالصبر والإيمان ظلم ذوي القربى من “مسؤولينا” الذين كانوا في فترة ما هم أيضا قضاة..
ونحارب بالقانون وبالإيمان مساعدين لنا نشكل معهم بنص القانون أسرة واحدة لكن رغم اننا اشقاء إلا انهم يعاملوننا كأعداء سواء عندما يستوزرون علينا او في الميدان بإعمالهم الجيد للفصل 540 نحونا ونحوك أيها الشعب العظيم..
نحارب في صمت ببحوثنا المضنية عن الحقيقة وعن ضمير مستتر لمشرع نائم، غموض نص تشريعي مهلهل تضيع الحقيقة بين فقراته وبنوده.. ونحارب ونحارب يوميا في صمت من أجلك أيها الشعب العظيم….
نحن أبناؤك الذين أدرت ظهرك لهم…أو أداروه لك عنهم..
رسالتنا أيها الشعب لك : إن لم تستح فاصنع ما شئت بأبنائك البررة الذين يعيشون على “خشاش الأرض”.. لكن بعزة نفس وأنفة ضمير فلا تنتظر كثيرا أيها الشعب فإنهم لن يمدوا أيديهم إلا من أجل الدعاء الخالد الأزلي ” رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين”…
*  عضو المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب

samedi 29 septembre 2012

فـــك الارتباط فيما أختلف فيه بين وزير العدل ونادي القضاة


تم تشخيص الداء الذي يعاني منه جسم القضاء بالمغرب ،وعُرفت بدقة مكونات الجرثومة التي اصابته منذ سنوات وهي( عدم الاستقلالية ) من نوع الجراثيم القاتلة كسم الافعاعي تصيب الجسد بلذغتها فيسري السم في سائر اعضاءه ،ثم تاتي مرحلة إصابته بالشلل فلايقدر على الحركة والعمل ثم بعدها تصل إلى الذماغ فتشل حركة اللسان فيصبح ابكم لايقدر على شيء وتشل بعدها  رجليه ولاتاتي باي خير اينما توجهت ،وهكذا منذ إستقلال المغرب  توالى على وزارة العدل مايزيد عن 30وزيرا كلما امضى منهم أجله تغير مع طاقمه ،دون ان يغير بعض القضاة(الموظفين ) الذين غابوا عن مباشرة قضايا المواطنين مباشرة في الجلسات العمومية وغابت عنهم تقنية عقد تلك الجلسات ،وإنغمسوا في تدبير الملفات القضائية للقضاة وغيرهم من المهنيين المرتبطين بالعدالة واصبحت لهم دراية كبيرة في توجيه العدالة حسب السياسة المتبعة ،من تحرير التقارير الاجتماعية والنفسية والتقارير السياسوية لخدمة جهة معينة ،وطمس جرأة وشجاعة (متهور)وتبخيس عمله،وتشجيع خانع متملق طموح يبني امجاده على هياكل ضحاياه .
بعد هذه المقدمة نرى من الضروري إعطاء إطلالة على مؤسسة وزير العدل ونظرته للقضاة العاملين خارج المصالح المركزية ،ثم نظرة القضاة  العاملين معه والاخرين الخارجين على المصالح المركزية  واوجه الإختلاف حول مصير العدالة بالمغرب بين الفريقين وأخيرا التعجيل بفك الارتباط .
نظرة مؤسسة وزير العدل
كل الوزراء الذين تعاقبوا على الاشراف على القضاء كانوا يعتبرون انفسهم فوق القضاة( وفوق القانون) وانهم هم من يخطط وينفذ سياسية العدالة بالبلاد ،ولم تكن تخطر ببالهم في اية لحظة انهم سيكونوا في يوم من الايام مجبرين على المثول امام القضاة للمسائلة، بل هم من يسائل القضاة مهما كان مركزهم وهم من يختار لهم التعيين والترقية والمهام ، بتواطئ وتوافق مع بعض من اشرفوا على القضاة ( اعضاء المجلس الاعلى للقضاء ) ودليل ذلك انه ليس بالنظام الاساسي او اي قانون يحددمسطرة المحاكمة التاذيبية لوزير العدل والاعضاء الدائمين والاعضاء المنتخبين للمجلس الاعلى للقضاء ،في حالة إرتكاب فعل مخالف للقانون بمناسبة اعمالهم ، ولاأدل على ذلك النقاش القانوني الذي اثاره إحالة عضوين من المجلس الاعلى للقضاء للمحاكمة التاذيبية من طرف زملائهم في نفس المجلس فالوزير دائما مع الاعضاء الدائمين ينصبون أنفسهم (الخصم والحكم ) فهم من يخلق المشاكل ويجد حلولا لها حسب هواهم بل إن تجاوز القانون لايعنيهم بقدر ما يعني القضاة ،ومنذ الدستور الجديد تغيرت الفلسفة التي كانت تحكم العلاقة بين الوزير والقضاة ،في إتجاه الاستقلال وعدم التبعية،وخلق روح التضامن بين القضاة بواسطة تاسيس تجمعات مهنية تدافع عن إستقلالهم ،هذا المبدأ هو الذي يقض مضجع السلطة التنفيذية التي مافتئت تهيمن على السلطة القضائية وتحاول جعلها مسيسة او منتمية لحزب من الاحزاب لتساير توجهاتها ،وتستعملها كما تستعمل الحكومة الوزراء لخدمتها ،في حين ان القضاء هو سلطة عليا وهي التي تحدث التوازنات بين السلطتين ( التنفيذية والتشريعية ) حين حصول إختلالات ولايمكن السيطرة على السلطة القضائية وتوجيهها لتحقيق غايات الاقتصادية او إجتماعية او سياسية لأن تلك الغايات هي التي تخضع لتقييم القضاة وتوجهاتهم وليس العكس ،والسلطة التنفيذية تعمل جاهدة على تقويض مبدأالتضامن الذي يحاول (نادي القضاة) ان يقويه في ذهن القضاة ،إذ انها تسخر بعض العاملين في حقل القضاء والذين يريدون ان يبنوا امجادهم على كاهل القضاة الشرفاء للترويج لدعايات تدعوا إلى عدم التضامن والتفرقة بين الجسد الواحد لأن هذه الحالة تخدم مصالحها التي ترى من مبادئها ليس خدمة الشعب وإنما هي المنصبة لحراسة النظام مع ان النظام له حراسه ،وهي تستعمل مواقعها ضد القضاة الشرفاء ، وتستعمل بعض ابواقها لجعل قضاة النادي من المتمردين والممناعيين وليس من القضاة الذين يدافعون على إستقلاليتهم بكل قوة لأنها حق الشعب في ان يكون له  قضاءمستقل ،وهذه المنهجية تم سلوكها لضرب جمعيات القضاة التي انشئت في العالم العربي ،واشير هنا لفقرة وردت في كتاب (حين تجمع القضاة لزميلنا الاستاذ نزار الصاغي ) وهي تتعلق بجمعية انشأت من طرف قضاة بالستينات بلبنان تحت اسم ( حلقة الدراسات القضائية ) بداية عام 1969بمبادرة من القضاة ( نسيب طربية ) وهو الشخصية الابرز انذاك في القضاء و(يوسف جبران وعبد الله ناصر وعبد الباسط غندور ) واذ ابرز مؤسسوها اهدافا علمية كالقيام بابحاث ودراسات وتنظيم مؤتمرات بشأن القضاء بما يعزز المناخ الصالح للإضطلاع بالرسالة القضائية ))((...والمحاضرة التي القاها القاضي نسيب طريبة حول "التشكيلات القضائية " في سنة 1971 كما عملت على دراسة مشاريع من شأنها تحسين الأوضاع المادية للقضاة ،وإذا أجازت وزارة العدل في بداية السبعينات للجمعية إشغال غرفتين في مبناها ،فإن علاقة الجمعية بالسلطة التنفيذية تأزمت بعد محاضرة " طريبة " حول التشكيلات القضائية ،مما أدى إلى إحالته على المجلس التأذيبي وإلى إبطال عمل الحلقة ،الذي إستمر بشكل محدود دون أي وجه .)) وهذا هو التوجه الذي تسير على نهجه السلطات الرافضة لنادي القضاة .
 لذا يتعين فصل ا لسلطة القضائية عن الحكومة التي تعتمد في سيرها لدواليب الحكم على آلية جهنمية متخصصة في التعدي على الحريات والحقوق والمكونة من نفس الاشخاص الذين كانوا بالامس يعرقلون للأحزاب المكونة حاليا للحكومة ،عملها وحرياتها وتنتج لها مادة خام لدعاية الحزبية والركوب على التجاوزات والانتهاكات لإستقطاب عطف المواطن العادي ،حتى إذا إتخذت تأيده مطية للصعود إلى منصة الحكم ،بدات تستعمل نفس الآلية والاشخاص لإنتقام من القضاة لتشفي غليل المواطن العادي الذي يجهل الكثير عن سير مرفق العدالة وكذا عن خباياه ،وبالمقابل تخسر العديد من الحقوقيين  والقضاة الذين يشمئزون من توجهات الحكومة التي تخالف ما كانت تشيده من قبل حين الحملة الانتخابية ،وهذه العملية تبرر ضرورة الاسراع بفك الارتباط بين السلطة القضائية ووزارة العدل للحد من التعسفات والتجاوزات التي يستخدمها وزير العدل بالآلية التي كان يشتكي وينتقدها بالامس والتي بدأ يستلطف تدبيرها للقضايا والملفات بنفس الطريقة السابقة .
نظرة القضاة لمؤسسةوزير العدل وفك الارتباط
نادي القضاة يرى في وزير العدل عرقلة حقيقية لتحقيق إستقلال القضاء بالمملكة المغربية،وان ذلك ظهر من خلال تدبير بعض الملفات التي طرحت إشكالات قانونية على الساحة القضائية ،والتي ظهر فيها ضعف وعدم الالمام بتداعيات القضايا التي طرحت ،وهكذا كان هاجس الادارة المركزية التابعة للسلطة التنفيذية هو الحفاظ على تبعية النيابة العامة لها مع أن الدستور الجديد جاء في ابعاده ليضع مؤسسة النيابة العامة شأنها شأن أي عمل قضائي مستقلة إستقلالا تاما عن وزير العدل ، و تحت طائلة المسائلة عن الاخطاء القضائية التي يتعرض لها المواطنون ،بل ابعد من ذلك فإن مبدا  ملائمة المتابعة التي كانت تتبناه المسطرة الجنائية قد ألغاء الدستور ليقرر مكانه مبدا المتابعة القانونية والذي يستنتج من مقتضيات الفصل 110 من الدستور في فقرته الاخيرة ((...... يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون ،كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية......... ))، لذا يتعين فك الارتباط مع مؤسسة وزير العدل بشكل عاجل وسريع حتى لايتسرب اليأس للقضاة والشعب ،وقبل أي شيء آخر لأن ذلك ليس مرتبطا لابالحوار ولابنتائجه ،وسياسة التمطيط التي تسلكها السلطة التنفيذية تنم عن عدم رغبتها في التخلي عن القضاء ولتخوفها من نتائج الاستقلال التي ستكون لامحالة هي تطبيق القانون على الجميع ،كما انها تزيد في تسلطها ومد يد جبروتها على القضاة بإتخاذ قرارات غير شرعية ومخالفة للقانون الاسمى  بشكل صريح .
وقرار فك الارتباط واستقلال السلطة القضائية  هو  قرارلن يصدر عن السلطة التنفيذية ( الحكومة ) بل هو قرار سياسي ينم على إرادة الدولة  الحقيقية في استقلال السلطة القضائية ،  وذلك لممارسة مهامهما القضائية الجديدة، وغل يد وزير العدل على التصرف في القضاء وكمثال على ذلك ما صدر عن الحكومة المصرية بمجرد تنصيبها هو إصدار وزير العدل بعد اسبوع من تنصيبه( المتشعب بأفكار نادي قضاة مصر ) قرار  بإلحاق جهاز التفتيش بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية ،وذلك في إنتظار صدور القوانين التنظيمية  للسلطة القضائية .
وان الاسراع بفك الارتباط مع وزارةالعدل ستكون له مزايا حسنة لفائدة السلطة القضائية ،وللعدل ببلادنا وان المطالب الحقوقية لنادي القضاة العاجلة والآنية هي فك الارتباط مع وزارة العدل والاعلان عن انطلاق السلطة القضائية من حجر السياسة .
محمد عنبر رئيس غرفة بمحكمة النقض
نائب رئيس نادي قضاة المغرب
بتاريخ 29رمضان 1433 الموافق 18غشت 2012

samedi 25 août 2012

صلاحيات اعضاء المجلس الأعلى للقضاء في إجراء متابعة تأديبية ضد بعضهم


كثيرا ما يظن ان استقلال القضاء ( بل يتم ترويج ذلك حتى لايتبوء القضاء مكانته العليا في الدولة ) ،يعني ان القضاة لهم الصلاحية في فعل كل شيء بدون مسائلة من اي كان ،وهذا هراء ُقصد منه المس بأحقية المواطن المغربي في أن يكون له قضاء مستقل ، حقا فإن القضاة  عند اصدار احكامهم او قراراتهم ،فهي التي تجيب عن مواقفهم، وهي عنوان ما تلجلج في صدورهم ، و تسجيدا لما خامر ضمائرهم ، وإلا لما كان الحديث الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يتكلم عن القاضي الذي يجتهد ويخطأ، فله أجر ،وإن إجتهد واصاب فله أجرين ،فخطأ القاضي لايوجب المسؤولية إلا إذا كان متعمدا ، إذن هناك ثلاثة اصناف القضاة حسب الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قاضيان في النار ،وقاضي في الجنة ، اولهما قاضي لم يعرف الحق وحكم عن جهل ،وقاضي عرف الحق ولم يحكم به ،وقاضي عرف الحق وحكم به ، فهؤلاء القضاة تربطهم مسألة واحدة هي معرفة الحق ،صنف لم يعرفه واتخذ موقفا منحازا لأحد الاطراف ، وصنف عرفه واتخذ موقفا من عدالة الدنيا(إما ايجابا او سلبا) ،فالمعرفة هنا ترتبط بالفؤاد (القلب ،والعقل ) وهما اللذان يشكلان ضمير القاضي ،فإن صلح القلب وغلب عن الهوى صلح حال كل اعضاءه ، ومادام انه يصعب مسائلة القاضي عن حكم اخطأفيه، لأن المفروض فيه الإجتهاد والصدق في أداء رسالته الفاضلة[1] ،فلايمكنه ان يتعرض بعد حين للجزاء أوالإنتقام ،لأن نصف الناس أعداء للقاضي هذا  إن عدل ، والكيد يأتى من اصحاب الهوى الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الدنيوية[2] كيفما كان نوعها ،لذا سعت الشرائع  سواء السماوية أوالدنيوية لإحاطة هذه الفئة من الناس ،الذين تحملوا عبئ الفصل بين الخصوم، بعناية خاصة دفعا لهم او لذويهم من كل سوء قد يتعرضون له سواء مباشرة من الأفراد او من الهيآت ، والوقاية من اساءة الأفراد تكفلت بها نصوص زجرية ،لكن الوقاية من كيد الهيآت تبقى صعبة المنال ، لكونها تنشأ سرية وخفية ولاتظهر مصادرها وإنما فقط نتائجها، بتعكير صفوة الحياة على القاضي  ، لذا أنشأت مؤسسات تسعى إلى ضمان وحصانة القضاة من ردة فعل الخصوم ،وحسن فعل الدستور المغربي لفاتح يوليوز 2011 حين اعطى للقضاة في الفصل 114 من الدستور الحق في الطعن في قرارات المتعلقة بوضعيتهم الفردية الصادرة عن المجلس الاعلى للسلطة القضائية ،وكذا حق طلب التعويض من الاخطاء القضائية الفصل 122من الدستور ، وكذلك لزجر القضاة الجائرين ، فالفقيه الونشريسي في تطرقه لجور القاضي ، قال :)((إذا ثبت جور القاضي سجن أبدا وجلد بين الفينة والأخرى ..)) وبالمقابل اجاب عما سئل عنه حول إمكانية التجسس على الرجل الصالح ، فاجاب ان كان القصد منه القدوة في الصلاة والاحسان والخلق السليم فهو جائز، وان كان القصد تتبع العورة والعيوب والترصد والكيد فهو من باب التجسس المنهي عنه (ولاتتجسسوا ولايغتب بعضكم بعضا ...).لهذا فإن سلطة القضاء هي الوحيدة التي لايمكن مراقبتها بواسطة سلطة أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمراقبة السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية ،ومراقبة السلطة القضائية لصحة إنتخاب اعضاء السلطة التشريعية ورقابة المحكمة الدستورية لأعمال التشريع الصادرة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية كلاهما يخضعان لمراقبة ضميرالأمة الذي هو القضاء ،وهذا لايعني ان السلطة القضائية تبقى بمنأى عن ايه رقابة ،فالآليات الدستورية والقانونية الموضوعة هي التي تكفل هذه المراقبة المتدرجة عن طريق الطعون  العادية والاسثتنائية ،ولاغيرها .
ونظرا لأهميةهذا الموضوع ،يمكن تقسيمه الى فرعين :
نتطرق في اوله : لكيفية رفع الخصومة الى القاضي .
                وثانيا : لعملية التذخل لدى القاضي والكيد له .

أولا : كيف ترفع الدعاوى الى القاضي
قال النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه (( أن اقوام أهلكوا لأنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإن سرق فيه الضعيف أقاموا عليه الحد ،والله إن فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعة يدها ،عدل الانبياء هو اعلى واعظم من عدل باقي البشر ،فالمسلم من واجبه ان يتحرى العدل في كل شيء (كل حركة وسكينة ) ،ويجب عليه ان يعدل حتى في عرض شكواه ومظلمته على اولي الأمر ،وبطبيعة الحال فالتشكي او إقامة الدعوى تكون إما مباشرة من المشتكي (شفويا او كتابيا ) ،والدعوى العمومية التي تقيمها النيابة العامة يجب ان تقدمها الى القاضي الطبيعي لها المعين للبت فيها ،لاأن يعين القاضي لدى القضية،لما في ذلك من انحياز لجهة معينة ومس بحقوق المحكومين .
 والتأثير أو التذخل لدى اولي الأمر من طرف الأطراف مباشرة ،يصنف بطبيعة الحال في باب التشكي ورفع المظالم الى الحكام ،ويكون مشروعا ولايمكن أن يحجبه اي حاجز ،وانما يجب على الطرف ان يكون عادلا في عرضه لمظلمته ،والأفضل ان تكون علنية وبحضور خصمه ،إن أمكن ذلك ،وإلا فعليه تحري العدل في كل مايعرضه ،ولايبخس أشياء الناس ،واموالهم واعراضهم .
إلا ان المسألة تدق عندما تتدخل اطراف أجنبية عن عملية الخصومة (اقصد بذلك الوسطاء الغير المشروعين ،ممن يتجار بمشاكل الناس ) إذ اصبح اليوم يدلى للمنتصبين للقضاء، باشخاص يطرقون عليهم ابواب منازلهم قصد عرض شكاويهم التي هي معروضة اصلا عليهم بواسطة مقالات او طعون ،ويريدون استغلال سرية هذا العرض لفائدتهم ، بل إن هناك من يقف بباب مقرات عملهم للقيام بعملية الوساطة أو التذخل ،وتتدرج هذه الآفة الي غاية الوصول إلى مستويات عليا من  الهرم وكل له درجته ،فهناك من يكلف عونا وهناك من يكلف سندا أعلى وهكذا...؟ [3].
وهذا ينم على عنصر الثقة في القضاء التي اصبحت منعدمة ،فاصبح اللجوء الى تدخل اطراف اجنبية عن النزاع (بدون صفة قانونية ) امرا ضروريا ،للوصول إلى الحق ،والسعي دائما لتذكير القاضي بدوره ومظلمة الخصم  ،فمنهم من يتوجه الى القاضي بعبارات التحذير ( اليوم انا بين يديك وغذا انا فوق كتفيك )يا لها من مسؤولية جسيمة تجعل القاضي يقدر جسامة الامانة الملقاة على عاتقه ،ويردد قول ،((وددت لو لم اقضي في شقة ثمرة ))او وددت لو أني لم أكن قاضيا ، مع ان البت في حقوق العباد يشمل كل صغيرة وكبيرة في حياتهم ويستوعب كل شيء وكل لحظة يجب ان يستحضر فيها الانسان معنى العدل ،ومعنى قوله تعالى (( واعدلوا هو اقرب للتقوى ...))هكذا يتدرج التدخل في القضاء والتأثير على قراراته ،فهناك من ينظر اليك نظرة شزراء كأنه يشعرك بأنه قد علم بموقفك ضده في المداولة مع ان القاضي قبل ممارسته لمهامه يؤدي اليمين على ان يحافظ على سريةالمداولة  ...مما قد يعرضه للخطر إذا علم احد الاطراف بموقفه قبل صدور القرار ..فلماذا يتم تسريب سرية المداولة قبل النطق بالقرار ؟
وهناك من يتدخل بصورة أخرى من موقع منصبه ليقول للقضاة إن هذا الملف(( متبوع ))يعني مراقب أو أنه يتعلق بجهة معينة ،ويتعين إتخاذ الحذر .... الايعلم بأن كل صغيرة وكبيرة هي محصاة عليه من ملائكة الجبار إذ يقول الكافرون ((...ياوليتنا ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا وأحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولايظلم ربك أحدا ...))بل إن هذا التدخل في عمل القضاة والتأثير عليهم اصبح يعرف تقنيات متطورة ،من تعيين الملف لدى قاضي او غرفة معينة، أو أنه يتم اتخاذ هذا الاجراء أولا حسب طبيعة كل قاضي ومهنيته .....ومدى استجابته للتدخلات ورفضه لها ((ومن هو النزيه الجبان ....والنزيه الشجاع ...))ومن هو لاشيء من هذا وذاك ،ويتعين اعادة تكوينه بتلقينه أصول مهنته وحقوقه وواجباته إزاء زملاءه وإزاء رؤسائه وإزاء المحامين وإزاء الأطراف ،كل موقف تتخذه داخل هذه المؤسسة يقابله موقف آخر يوازيه إما الشكر والإغراءات الامتناهية ،واما الجزاء ومكر الليل وكل حسب طبيعة موقفه .
بل هناك من ينصحك سرا بعدم العمل معه والانتقال الى جهة أخرى، وكانك مجرد أجير لديه في ملكيته الخاصة ،اذا لم يعجبك أسلوبه في العمل فانتقل الى العمل في ملكية خاصة أخرى ،مع ان الشعار الذي اطلق حديثا ان  الجميع في خدمة المواطن ،واولا وقبل كل شيء في خدمة العدالة التي لاوطن لها .
وحينها تبدا مرحلة الكيد والتي هي نتيجة موقف القضائي من نزاعات الخصوم ، و الهيئة المكلفة بالعناية بالقضاة ومسائلتهم نظمها الدستور المغربي القديم  في فصله 84 في الباب السابع ونص (( يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويتألف هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسه من :
ـ وزير العدل نائبا للرئيس
ـ الرئيس الأول للمجلس الأعلى
ـ الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى
ـ  رئيس الغرفة الولى في المجلس الأعلى
ـ ممثلين إثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم  على كيفية تشكيلها من
ـ اربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم .الأعضاء الدائمين والاعضاء المنتخبين وذلك كما يلي : (( ...
والساحة القضائية بالمغرب لم تراكم قرارات صادرة من اعضاء المجلس الأعلى للقضاء، ضد عضومنهم بمناسبة ممارسته لمهمته كممثل للقضاة ،باستثناء المنع الشفوي لأحد الرؤساء الأولين لأحد اعضاء هيئة المجلس الأعلى من حضور اشغال الدورة ، وهذه الواقعة لم يكتب لها ان تعرف طعنا انذاك امام المحاكم الادارية التي كانت قد أنشات حديثا ،مما جعلها تذخل في خانة النسيان ، ولم تتخذ كعبرة ، وكذا قرار توقيف عضو واحالته على المجلس كهيئة تاذيبية إنتهت بالتراجع عنه .
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل نيابة وزير العدل على الملك تشمل تسيير اشغال المجلس الأعلى للقضاء، وله نفس الحقوق التي هي لباقي الأعضاء، ام انه يمكن أن ينصب نفسه رئيسا(خصما وحكما) على جميع الأعضاء وان يقترح مثلا اجراءا تأديبيا في حق أحدهم لإخلاله ليس بعمله كقاضي ،وإنما كممثل لفئة القضاة الذين كلفوه بهذه الوكالة ؟.
الواقع أنه كما لايستساغ ان يجتمع مجلس إداري لأحد الشركات ،ويدرس في جدول اعماله مسألة فصل أحد الشركاء من الشركة ، فإنه لايستساغ قانونا ان يحصل إجماع بين أعضاء المجلس الأعلى لتقريرالأمر بإجراء بحث في وقائع منسوبة لأحد الأعضاء بصفته تلك، وبالأحرى  متابعته تأدبيا ، فالمؤسسة الدستورية أنشات للنظر في المخالفات المرتكبة من القضاة بمناسبة اعمالهم (رسالة القضاء)، والتي من شانها ان تكون محل عقوبة  حين مزاولة رسالتهم ،وليس لمسائلة اعضاء مؤسسة المجلس الأعلى بمناسبة عملهم التمثيلي ،النصوص التنظيمية لاتجيب صراحة عن هذه الصلاحية، وإنما يمكن ان تستشف المساواة بين أعضاء المجلس من الفصل ((الذي منع إدراج ملف القاضي العضو طيلة مدة نيابته سواء ايجابا أم سلبا )) فهو وكيل لايمثل إرادته بل إرادة من كلفوه، شأنه شأن كافة اعضاء المؤسسة الدستورية  ، ولايمكن ان يسأل العضو عن خطا إرتكبه إلا بعد إنتهاء مدة مهمته ،سواء تعلق الفعل بصميم مهامه بالمؤسسة الدستورية أم برسالته كقاضي ،ويمكن ان نقيس على هذا باقي المؤسسات النيابية ،  هذا كله لحماية العضو من كيد الخصوم بكافة مشاربهم ،والا فإن مهمته ستكون عبثا ،ويبقى سيف المسائلة مسلط عليه كلما ابدى وجهة نظر مخالفة، وضد ماتريد باقي السلط تحقيقه ، فكما لايمكن جدلا لأعضاء المجلس الدائمين والمنتخبين أن يحصلوا فيما بينهم على إجماع لإتخاذ قرار ضد الوزير ،فلا يسوغ لهذا الأخير وباقي الأعضاء أن يجمعوا على اتخاذ قرار ضد أي عضو ، وقد يتسائل البعض عن ماهي الأسس القانونية لهذا المنع  ؟
أول المبادئ هو فصل الجهة التي تامر بإجراء البحث والمتابعة ،عن الجهة التي ستنظر في القضية المحال  ، فسلطة الاتهام المعطاة للنيابة العامة ورئيسها بالطبع وزير العدل تمارس فيما هو منصوص عليه قانونا بالنسبة (مثلا الافعال المخلة المرتكبة من القضاة ) فالقانون اعطى للوزير صلاحية الأمر بإجراء بحث فيها والأمر بإحالة مرتكبيها على هيئة المجلس الأعلى، الذي له صلاحية الإقتراح على الملك العقوبة المناسبة ، والقانون لم يعطي سلطة البحث والاتهام التلقائية لوزير العدل للنظر فيما يعتبر مخالفة من عضو بالمجلس ، إلا إذا صدر امر من الملك بذلك ، لأنه هو الرئيس للمؤسسة الدستورية للمجلس الأعلى ، وذلك لضمان استقلالية العضو ،وكذا حياد الوزير وانسياقه مع اهواء الحكومة التابع لوزيرها الأول والتي هي حكومة حزب الأغلبية .
لايمكن القول بان إجراء البحث كان موجها لأشخاص لاتربطهم بالمجلس اية علاقة ،بل إن مجرد التفكير في الاستماع اليهم يرمي إلى مسائلة عضو من اعضاء المجلس لكون الفعل المنسوب يتعلق بصميم اعمال المجلس مما يؤكد طبيعة الاجراء المتخدة انه يستهدف عضو من الاعضاء بعينه .
فما هي حجية تصريحات فرد لايمت بالقضاء بصلة بواقائع منسوبة لقاضي ؟ فهل الافعال التي تنسب للقاضي وتتعلق بصميم مهنته التمثيلية هي افعال تخضع في إثباتها على تصريحات أم أنه يجب إثباتها بواسائل لاتترك مجال للطعن فيها ومناقشتها ؟ تسجيلات بالصورة والصوت وثائق مكتوبة ؟
كل هذه التساؤلات تجعل مسائلة القاضي الذي كان يمثل كثلة القضاة تدخلت فيها الأهواء أكثر من تحقيق العدالة ،ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .



[1] قال تعالى في كتابه العزيز سورة الأنبياء الاية 78 " ففهمنها سليمان وكلا أتينا حكما وعلما ...."
[2]  فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البرية يتعرض لسوء القول من احد الخصوم حين قضى عليه السلام في قسمة الماء " إذ صرح المحكوم عليه إنك لاتريد بهذه القسمة وجه الله ...."
[3]  بعض القضاة الذين كانوا مشتكين بخصوص مسألة عائلية ،تم  ترهيبهم بكونهم يتدخلون لدى المعنيين بالبت في شكواهم لإتنائهم عن التشكي مرة أخرى .